مبادرة مسارات

جي بي تي

نعم، تشات جي بي تي يعزز الإنتاجية، ولكن بشرط!

محتوى المقال

مع انتشار ثورة الذكاء الاصطناعي بشكل عام، والذكاء الاصطناعي التوليدي بوجه خاص، اشتعلت نقاشات حادَّة حول مدى مساهمة الذكاء الاصطناعي التوليدي في زيادة الإنتاجية. في الحقيقة، ظهرت كثير من الجدليات حول هذا الموضوع، إذ انبرى بعض الأفراد لتسليط الضوء على نقاط الضعف في تشات جي بي تي مشيرين إلى أنه يقدِّم إجابات غير منطقية، بل وخاطئة في بعض الأحيان، بينما قدَّم فريق آخر حججاً متتالية تدعم فكرة زيادة الإنتاجية، مستعرضاً أمثلةً مبهرةً على إجاباته النموذجية.

 

فما هو السر وراء ذلك؟

حقيقة، تشكِّل الطريقة التي نستخدم بها النماذج اللغوية، بما في -ذلك “ChatGPT” (تشات جي بي تي)- المعيار الأساسي للاستفادة القصوى منها، كما أن شكل السؤال يؤدِّي دوراً كبيراً في تحديد جودة الإجابة، ومن هنا برز مفهوم جديد يُعرف بـ “هندسة الأوامر”، إذ تُترجم كلمة “أوامر” هنا من مصطلح”Prompt”، الذي يعني بشكل أدق “الحث” أو “التلميح”. في الواقع، يعتمد هذا المفهوم على تحفيز النموذج اللغوي مثل تشات جي بي تي ليقدِّم أفضل ما لديه من إجابات، ويتوقَّف هذا إلى حدٍّ كبيرٍ على شكل السؤال وتصميمه. أتفهم تحفظ القراء على استخدام كلمة “هندسة” هنا، لكنها تدل على الإبداع في تصميم السؤال بمهارة هندسية.

 

بعبارةٍ أخرى، تعني “هندسة الأوامر” تصميم وصياغة الأوامر بطريقةٍ محدَّدةٍ لتوجيه استجابات نموذج الذكاء الاصطناعي بأمثل شكل ممكن وفقاً لمتطلباتي، ولدفعه للإجابة بشكلٍ صحيحٍ، ويتضمَّن هذا فهم سلوك النموذج وإعداد الأوامر التي تكون واضحةً، ومحدِّدة السياق ودقيقة، وأحياناً مبنية على دور معين.

 

لا يمكن تبسيط مفهوم هندسة الأوامر في مثالٍ واحدٍ، فهو يتطلَّب دراسة معمَّقة وتحليلٍ دقيقٍ، ولكن لنأخذ مثالاً بسيطاً، يكمن الفارق بين سؤال تشات جي بي تي “ما هي معركة الملوخية؟”  وعندها سيجيب أنها معركة حدثت في العصر المملوكي متبعاً ذلك بصياغة قصة وهمية، وبين سؤاله “تصرف بصفتك خبير في التاريخ، ما هي معركة الملوخية؟” فيجيبك بصفته خبير في التاريخ: “لا وجود لمعركة بهذا الاسم حسب معلوماته”.

 

في الواقع، تُعتبر هندسة الأوامر مهارة حاسمة للتفاعل الفعَّال مع تشات جي بي تي، إذ تساعد الأوامر الفعَّالة في توجيه النموذج ليقدِّم استجابات أكثر دقَّة وفائدة. على الجانب الآخر، ربَّما تؤدِّي الأوامر غير الفعَّالة إلى استجابات غير مرتبطة أو غير منطقية، مما ينتج عنه تجربة مستخدم محبطة وفقدان الثقة في النظام.

 

والآن، قد تتساءلون: هل يزيد استخدام تشات جي بي تي الإنتاجية فعلاً؟

الإجابة هي نعم، ولكن إذا وفقط إذا استُخدِمت الأوامر بشكلٍ صحيحٍ، وهذا الكلام ليس رأياً شخصياً إذ بدأت الأبحاث في إثبات ذلك، إذ يمكن أن يزيد استخدام تشات جي بي تي من الإنتاجية في بعض المهمَّات، وبشكل خاص تلك المرتبطة بالكتابة، كما وجدت دراسة أجراها معهد “ماساتشوستس” للتكنولوجيا أن المشاركين الذين استخدموا “ChatGPT-3.5” أنهوا المهمَّات بسرعةٍ أكبر بمعدَّل 11 دقيقة مقارنةً بغيرهم ممن لم يستخدمه، وكانت جودة أعمالهم أفضل بنسبة 18%، كما وجدت دراسة أخرى أنَّ تشات جي بي تي زاد الإنتاجية بنسبة 40% في مهمَّات الكتابة المهنية.

 

من الجدير بالذكر أنَّ استخدام تشات جي بي تي قلَّل الفروقات بين الفرق، وقد يكون أكثر فائدة للكتَّاب الأقل مهارة، فالأفراد الذين حصلوا على تقييمات أدنى في المهمة الأولى استفادوا أكثر من استخدام تشات جي بي تي في المهمة الثانية، ويشير هذا إلى أن تشات جي بي تي قد يساعد في تقليص الفروق في الأداء بين الأشخاص ذوي المهارات المتفاوتة.

 

بشكل عام، تشير هذه الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يكون أداةً قيمةً لزيادة الإنتاجية في مهمَّات معينة، وبشكل خاص تلك التي تشمل الكتابة، ويمثل هذا مجرَّد مجال صغير من بين عشرات المجالات الأخرى التي يمكن فتحها بتطبيق هندسة الأوامر.

 

د. فادي عمروش – استشاري في التحوّل الرقمي والاقتصاد السلوكي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك المحتوى عبر:

محتوى المقال