مبادرة مسارات

التعليم عن بعد

التعليم عن بعد.. الأهمية والتحديات

محتوى المقال

أصبح التعليم عن بُعد ضرورة حتمية فرضها حاضرنا ويحتاج لها مستقبلنا، وخصوصا في المناطق التي تعيش أزمات وحروب مستمرة كما الحال في منطقة شمال غرب سوريا، وما عزز نظرية وأهمية التعليم عن بعد هي أزمة كورونا التي بدأت سنة 2020 وبحسب الأرقام من البنك الدولي وصل عدد الطلاب المتوقفين عن الدراسة في العالم بأزمة كورونا الى 1.6 مليار أي 94 % من عدد الطلاب الكامل حيث برزت الفكرة وعلى مدار ثلاث سنوات وهي في تطور لافت وتحقق إنجازات ملموسة.

 

ما هو التعليم عن بعد وتاريخه

يعرَّف التعليم عن بعد بأنه مجموعة عمليات إجرائية، لنقل العلم والمعرفة إلى الطلاب في موقع إقامتهم او عملهم، بدلاً من حضورهم الى المؤسسة التعليمية، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بما أفرزته معطيات التقنية الرقمية من برامج وتطبيقات تفاعلية متقدمة ورغم التطور الحاصل فإن مفهومه لم يكن وليد الأزمة فقط بل هناك تجارب سابقة وقديمة.

ففي بداية العشرينات من القرن الماضي بثت دروس تعليمية في بريطانيا عبر الراديو وفي الثلاثينات قامت جامعة “آيوا” الامريكية بالبث التعليمي عبر التلفزيون، وتطور التعليم عن بعد تصاعدا مع ظهور الانترنيت، وفي الثمانينات والتسعينات صار بالإمكان استخدام الوسائط الحاسوبية وشبكة الإنترنت في التعليم ما قبل الجامعي ويمكن تصنيف تدرج التعليم عن بعد من الراديو الى التلفاز واشرطة الكاسيت التي تنقل الفيديو صوتا وصورة ثم البث المباشر التلفزيوني وصولا الى التعليم من خلال التقنية الرقمية والذي انقسم الى نوعين رئيسيين الأول وهو البث المتزامن عن طريق برامج وتطبيقات معينة، والغير متزامن عن طريق وضع البرامج التعليمية على منصات وقنوات يدخلها المتعلم متى شاء.

 

فوائد التعليم عن بعد

ولا يخفى في وقتنا الحاضر تصاعد التوجه العالمي نحو التعليم عن بعد نتيجة للتطور التكنولوجي والاعتراف بفوائده ومن بعض الأسباب التي تدعم هذا التوجه:

 

  • الوصول الشامل: فهو يتيح الفرصة للطلاب الذين قد يكونون بعيدين عن مؤسسات التعليم أو غير قادرين على الحضور الفعلي، مما يوفر فرصة للتعلم لجميع الفئات العمرية والمتنوعة.
  • المرونة في الجدول الزمني: يعطي الطلاب إمكانية تنظيم وقتهم بناءً على احتياجاتهم الشخصية والمهنية، ويمكنهم السفر أو العمل بدوام جزئي وفي الوقت نفسه متابعة دراستهم في مواعيد ملائمة لهم.
  • انتقال سلس للمواد التعليمية: من خلال الانترنت والمنصات التعليمية الالكترونية، يمكن نقل المواد التعليمية بسهولة وسرعة للطلاب في أي مكان في العالم، ويمكن تسجيل المحاضرات والتعليمات والمواد الإضافية وتوفيرها للطلاب في الوقت المناسب لتعلمهم.
  • تفاعل تقني محسّن: تتطور التكنولوجيا باستمرار لتلبية احتياجات التعليم عن بُعد، وتوجد العديد من الأدوات المتاحة مثل الفصول الافتراضية ومنصات التعلم الإلكتروني والبرامج التعليمية التفاعلية التي تساعد على تحقيق التفاعل بين المعلم والطلاب وتحفيز التعلم الفعال.
  • توفير تجارب تعليمية مبتكرة: يمكن استخدام التكنولوجيا في تصميم تجارب تعليمية مبتكرة وشيقة، مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز، مما يزيد من مشاركة الطلاب وتفاعلهم مع المحتوى التعليمي بطرق جديدة ومثيرة.

 

متطلبات التعليم عن بعد

ويتطلب التعليم عن بعد توفير مجموعة من المتطلبات الأساسية لضمان جودة التعليم وتحقيق أهدافه بشكل فعال ومن هذه المتطلبات:

 

  • البنية التحتية التكنولوجية: يجب توفير بنية تحتية تكنولوجية قوية وموثوقة لدعم التعليم عن بُعد، ويشمل اتصالات الإنترنت ذات السرعة العالية والأجهزة اللازمة مثل الحواسيب والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية.
  • توفر المحتوى التعليمي: يجب تطوير وتوفير محتوى تعليمي ذو جودة عالية ومتاح بشكل سهل للطلاب، ويجب أن يكون المحتوى متنوعًا وشاملاً ويستجيب لاحتياجات المتعلمين.
  • التخطيط والتصميم الجيد: يجب على المعلمين والمؤسسات التعليمية التخطيط والتصميم الجيد لعملية التعليم عن بُعد، وتحديد الأهداف التعليمية وتصميم البرامج الدراسية المناسبة وتطوير طرق التقييم الملائمة.
  • التدريب والدعم للمعلمين: يجب توفير التدريب المناسب للمعلمين ليكونوا قادرين على تعزيز تجربة التعلم عن بُعد، يتضمن ذلك التدريب على استخدام وسائل التكنلوجيا الحديثة.
  • دمج الوسائط التعليمية التفاعلية المختلفة: إن دمج التعليم المُتزامن والتعليم غير المُتزامن والبرامج التعليمية والتفاعلية عبر التكنلوجيا، يمكنه أن يحقق تفاعلاً أكبر، ويحسن دافعية التعلُّم. وكان تقرير للبنك الدولي، قد أكَّد أهمية إنشاء روابط جديدة بين المعلمين وأولياء الأمور والمجتمعات المحلية الأوسع نطاقاً، من أجل تكوين نُظم تعليمية متكاملة تتسم بالجودة.

 

تحديات التعليم عن بعد

الطريق نحو التعليم عن بعد ليس مفروشاً بالورود، أو ميسَّراً لتحقيق آمال وطموحات كافة الطلاب، خاصة في الدول الفقيرة تقنياً واقتصادياً وفي تقرير لليونيسيف صدر في ديسمبر 2020م، أن نحو ثلثي أطفال العالم، من الفئة العمرية التي تتراوح بين 3 و7 سنوات ما زالوا محرومين من خدمة الربط بالإنترنت في المنزل، وأن نحو %58 ممن هم في سن الدراسة، وينتمون إلى أسر غنية، أو ميسورة الحال، لديهم الإمكانية للوصول إلى الإنترنت من المنزل، مقارنة بــ %16 في الأُسر الفقيرة فقط.

 

وليس التفاوت الكبير في الوصول الى الإنترنت هو التحدي الأوحد بل تواجهنا عدة صعوبات أخرى ومنها:

  • انعدام الوصول إلى التكنولوجيا: العديد من الطلاب والأسر لا يمتلكون الأجهزة اللازمة من هواتف ذكية وحواسيب وهذا يؤثر على قدرة الطلاب على المشاركة بشكل كامل والاستفادة من تجربة التعليم عن بعد.
  • ضعف التفاعل والتواصل: التواصل والتفاعل يمكن أن يكونا أكثر صعوبة عند التعلم عن بُعد، وقد يصعب على الطلاب التواصل مع المعلمين وزملائهم بشكل فعال، مما يؤثر على فهمهم للمفاهيم وتطوير مهارات التعاون.
  • ضرورة تنظيم الوقت والتحفيز: التعلم عن بُعد يتطلب من الطلاب التحفيز الذاتي وتنظيم الوقت بمفردهم، مما قد يصعب على الطلاب البقاء ملتزمين ومتفانين في التعلم دون وجود الجدولية الصارمة والدعم المباشر للمعلمين.
  • نقص التفاعل الشخصي: بينما التعلم عن بُعد يوفر مرونة في الوقت والمكان، إلا أنه قد يفتقر إلى التفاعل الشخصي بين المعلم والطالب، العمل الشخصي والتوجيه الفردي يصعب تحقيقها بنفس القدر في بيئة التعلم عن بُعد.
  • صعوبة تقدير الأداء والتقييم: قد تكون هناك تحديات في تقييم أداء الطلاب وتقدير تحصيلهم في بيئة التعلم عن بُعد، ويمكن أن يكون من الصعب تطبيق الاختبارات التقليدية أو تقييم المشاركة الفعالة والمشروعات الجماعية.

 

ولتجاوز هذه التحديات، يجب اتخاذ تدابير لضمان تكنولوجيا قوية وسهولة الوصول إليها، وتعزيز التفاعل والتواصل الفعال، وتوفير دعم لتنظيم الوقت والتحفيز، وتوفير توجيه شخصي وتقييم فعال للطلاب.

 

ان التعليم عن بُعد وسيلة حيوية لنشر المعرفة في ظل الحروب والنزاعات وانتشار الأوبئة، ومع مواجهة التحديات التقنية، يمكننا تجاوزها من خلال التعاون المعرفي بين المؤسسات التعليمية وتوفير الحلول التقنية وتدريب المعلمين والتأكيد على جودة المحتوى، وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجهنا، نحن قادرون على تحقيق التعليم عن بُعد بطرق مبتكرة ومستدامة. فالتكنولوجيا يمكنها أن تكون وسيلة لتوسيع نطاق التعليم وتوفيره للجميع، بغض النظر عن الحروب والنزاعات التي تجتاح العالم، فلنستخدم القدرات التكنولوجية والتعاون المشترك لتقديم فرص تعليمية محدثة وعالية الجودة للأطفال والشباب والبالغين فالتعليم هو المفتاح لبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة، ولا يجب أن يتأثر بالظروف الصعبة التي نمر بها، وعلينا أن نواصل التحدي ونعمل سويًا لتوفير فرص التعليم العادلة والمبتكرة للطلاب فهم يستحقون الحصول على التعليم وتحقيق طموحاتهم وأحلامهم بغض النظر عن الظروف التي تواجههم.

 

فؤاد الديك – متطوع في مبادرة مسارات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك المحتوى عبر:

محتوى المقال