مبادرة مسارات

الهندسة الوراثية

الهندسة الوراثية: جسر بين العلم والطب والأخلاق

محتوى المقال

في عصرنا الحالي، حيث التكنولوجيا تتقدم بوتيرة متسارعة، تبرز الهندسة الوراثية كإحدى أهم التقنيات الحديثة التي تثير الدهشة والجدل في آن واحد. هذه المقالة تلقي الضوء على هذه التقنية المذهلة وتفاصيلها المعقدة.

 

من خلالها، نستكشف كيف يتم التلاعب بالجينات البشرية، الحيوانية، وجينات الأحياء الدقيقة لتحقيق أغراض متنوعة مثل تحسين فهم وظائف الجينات، زيادة إنتاج المواد الناتجة عن التعبير الجيني، وتصحيح العيوب الوراثية. سنتعرف على الآليات التقنية المستخدمة في هذا المجال وكيف أثرت هذه التقنيات على مختلف القطاعات من الطب إلى الزراعة والصيدلة الحيوية.

 

بالإضافة إلى ذلك، نتطرق إلى النقاش الأخلاقي المحيط بالهندسة الوراثية، الذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من هذا الموضوع. سنستكشف كيف تواجه هذه التقنيات تحديات أخلاقية، خاصةً فيما يتعلق بالتدخل في الطبيعة البيولوجية للكائنات الحية والتأثيرات المحتملة على المستقبل البيولوجي للبشرية.

 

ما هي تقنية الهندسة الوراثية؟

إن الهندسة الوراثية هي التقنية التي تتعامل مع:

١- الجينات البشرية.

 ٢- الجينات الحيوانية.

٣- جينات الأحياء الدقيقة.

٤- الوحدات الوراثية المتواجدة على الكروموسومات بالفصل أو الوصل أو إدخال لأجزاء منها من كائن إلى آخر بغرض:

 

  • إحداث حالة تمكن من معرفة وظيفة (الجين).
  • بهدف زيادة كمية المواد الناتجة عن التعبير عنه.
  • بهدف استكمال ما نقص منه في الخلية المستهدفة.

 

يتطلب الشكل الأكثر شيوعاً من الهندسة الوراثية عزل ونسخ المادة الوراثية ذات العلاقة، وتوليد بناء يتضمن كل العناصر الجينية بغرض الحصول على بناء وراثي صحيح ومن ثم إدخال هذا البناء في الكائن العائل.

 

آلية تقنيات الهندسة الوراثية

طُبقت تقنيات الهندسة الوراثية في مجالات عدة تتضمن:

  • الأبحاث.
  • التقنيات الحيوية.
  • الطب.
  • وحالياً تُنتج أدوية مثل الإنسولين وهرمون النمو البشري في البكتيريا.

 

استُخدِمت فئران التجارب لأغراض البحث العلمي وإنتاج المحاصيل المقاومة للحشرات أو المحاصيل المتحملة للمبيدات حيثُ تسوق تجارياً.

 

تطورت نباتات وحيوانات مهندسة وراثياً قادرة على إنتاج عقاقير أقل تكلفة من الطرق الحالية باستخدام طريقة التقنيات الحيوية (وتدعى بالصيدلة البيولوجية أو الحيوانية).

 

وفي عام 2009 قامت إدارة الأغذية والعقاقير بالموافقة على بيع البروتين الدوائي الذي يدعى مضاد الثرومبين (Antithrombin) ‏والذي يُنتج من حليب الماعز المهندس وراثياً.

 

الأخلاقيات في الهندسة الوراثية

وما هي أهم التحديات والمسؤوليات؟

يواجه العاملون في ميدان الطب عموماً والبيولوجيا الطبية على نحو خاص مشكلات أخلاقية تثير حيرتهم وتدفعهم إلى البحث عن إجابات لتساؤلاتهم، وقد ازدادت هذه المعضلات الأخلاقية حدة نتيجة التطورات الطبية والبيولوجية.

 

وبعد أن أتاح التقدم العلمي والتكنولوجي للأطباء المساهمة في حل مشكلات عدة كانت مستعصية كمشكلة العقم مثلاً، وذلك عن طريق حل مؤقت هو (أطفال الأنابيب)، وكذلك التحكم في الجينات الوراثية للحصول على أنواع مختلفة من الدواء (كالأنسولين)، والكشف عن الكثير من الأمراض الوراثية التي كانت غير معروفة في عصر سابق.

 

ولكن مثل هذه التطورات كان لابد لها من أن تثير تساؤلات أخلاقية سواء أمام العامل في مجالها أو حتى أمام الباحث خارج نطاقها، كالفلاسفة ورجال الدين والسياسيين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس بل كذلك أمام رجل الشارع نفسه، أدى ذلك إلى بروز مفهوم “الأخلاق الطبية” في عصرنا الحاضر وتفرض نفسها على ساحة الفكر الإنساني.

 

فقد ظهرت مجموعة كبيرة من المجلدات ومئات المقالات وآلاف المحاضرات بحيث أصبح من الصعب سواءً بالنسبة للفلاسفة أو المفكرين الأخلاقيين أو حتى العامل في مجال الطب أن يتجاهلوا هذا الموضوع أو يتغاضوا عن القول إن “الأخلاق الطبية” تشكل جانباً هاماً من حقل دراستهم في الهندسة الوراثية.

 

لقد أصبح الأطباء ولأول مرة منذ زمن بعيد يهتمون بإيجاد حلول للمعضلات الأخلاقية التي تواجههم بعد أن مرّ زمن طويل كانوا فيه يمارسون أعمالهم في هدوء ودون عقبات انطلاقاً من الأخذ بالمواثيق الطبية كما هي على نحو حرفي.

 

أما الآن فقد ظهرت مشكلات جديدة لم تكن موجودة من قبل تصطدم على نحو واضح بالمواثيق القديمة وبالعادات الأخلاقية السابقة؛ إذ لا يمكن أن ينطبق عليها ما هو معروف حتى الآن باسم قواعد الأخلاق الطبية في صورتها التقليدية.

 

الأخلاق الطبية والإسلام

اهتم المسلمون بالطب منذ وقت مبكر وراعوا ترجمة كتب الطب المعروفة عند الأمم، فأقبل المسلمون على دراسة الطب وازدهر عندهم لا سيما أن الإسلام نفسه يحثهم على هذه الدراسة.

 

فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام “لم يُنزل الله داءً إلا وأنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله” ولهذا لم يكن من المستغرب أن يتأثر الأطباء بالتراث الأبقراطي وبطب جالينوس وغيرهم من العلماء، ولكنهم لم يكتفوا بالنقل وإنما درسوا ذلك التراث المنقول وحللوه وانتقدوه وأضافوا إليه ودمجوا المبادئ الأخلاقية الإسلامية بالمبادئ الطبية.

 

فقد كتب (ابن النفيس) منتقدا كتاب أبقراط طبيعة الإنسان، كما كانت له مؤلفات غير منشورة حول واجبات الجرّاح وعلاقته بمعاونيه ومرضاه.

 

ولكن أهم ما أُلّف حول الأخلاق الطبية في العالم الإسلامي كان على يد إسحاق بن علي الراوي الذي كتب كتابه المشهور “آداب الطبيب” وهو من الأعمال الفريدة التي اهتمت بالأخلاق العملية في مجال الطب وكان التأثير الأبقراطي والأفلاطوني واضحاً فيه، بالإضافة إلى اعتماد المؤلف على الأخلاق الإسلامية.

 

لقد تفاعل الدين الإسلامي بأخلاقياته مع القواعد الأخلاقية التي انتقلت إليه من الحضارات الأخرى لتظهر قواعد مصطبغة بروح الإسلام وقائمة على فكرة مراعاة حرمة المريض ومصلحته.

 

فقد ركز الإسلام على فكرة حفظ الطبيب لأسرار المريض.

 

الأخلاق الطبية في القرن الحالي

استقبل العاملون في مجال العلوم البيولوجية والطبية القرن الحالي وهم يحملون معهم جذوراً ورواسب فكرية قديمة مع أفكار تدعو إلى التحرر والتغير الجذري.

 

إضافة إلى أن هذا القرن اتصف بمظاهر لافتة للنظر فقد اكتسب العلم منذ أوائل القرن العشرين أهمية تفوق أهمية أي إنجاز آخر طوال تاريخ البشرية.

فصحيح أن الإنسانية تفخر بفلسفتها وآدابها وفنونها وتعترف بما تدين به لهذه الإنجازات من فضل في تشكيل عقل الإنسان وروحه ولكن المكانة التي اكتسبها العلم في هذا القرن والتأثير الذي استطاع أن يمارسه على حياة البشر (بغض النظر عن كون هذا التأثير إيجابياً أم سلبياً) يجعل العلم بغير شك هو الحقيقة الكبرى في عصرنا الحاضر ومن ثم في كل العصور.

 

هذا يشمل بالطبع الطب الذي تنوعت مشكلاته الجديدة المطروحة في ساحة الفكر الإنساني كلما ازداد تطوره التكنولوجي.

 

وقد أثارت هذه المشكلات اهتمام الناس وعكست أيديولوجيات المجتمعات المتنوعة ومعتقداتها وقيمتها.

 

ففي الوقت الذي انتشر فيه تيار من الأفكار -بالرغم من أن التباين بين التيارات الفكرية في العالم شديد- فإن ذلك لا يبدو واضحاً في مجال الأخلاق الطبية؛ ذلك لأن المشكلات الأخلاقية في مجال الطب هي نفسها في أي مجتمع أو في المجتمع الإنساني بصفة عامة.

 

إلا أن مشكلات ثلاث قفزت لتحتل المحور الأساسي من تفكير الناس في القرن الحالي وهي:

  • الإجهاض.
  • إجراء التجارب على الإنسان.
  • التكنولوجيا الطبية والبيولوجيا المتقدمة.

 

وأنت عزيزي القارئ ما رأيك، هل يجب أن يبقى العلم مقيداً بالأخلاق والدين أم يجب أن يكون هناك مساحة أوسع للتجارب العلمية؟

 

الكاتب: أ. سامر العلوش مدرس مادة العلوم في مبادرة مسارات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك المحتوى عبر:

محتوى المقال