مبادرة مسارات

علم النحو

تأسيس علم النحو في الإسلام: حفظ اللغة العربية وتأصيل الفصاحة والبلاغة

محتوى المقال

كلّ أمة أبدعت في جانب من جوانب الحضارة باختلاف أنواعها، فقد أبدعت اليونان في المسرح والفلسفة وغيرها من أنواع الفنون والعلوم.. أمّا العرب فقد عاشوا في صحرائهم قبل الإسلام فكانت ألسنتهم تصوغ أعذب الكلام وأروع الشّعر بلا تكلّف ولا صنعة، ولا ننسى بأنّ قريشاً كان ترسل مواليدها إلى البادية حتّى يكتسبوا الفصاحة من البيئة القبليّة، وينعموا بهوائها الطلق العليل، ويمكننا القول إنّ إبداع العرب كان في الكلمة وكل ما يتعلّق بها..

 

وجاء القرآن الكريم ليؤكّد ذلك، فينبهرون ببيانه وأسلوبه ولسان حالهم يقول نحن أرباب الفصاحة نقف عاجزين أمام هذا الأسلوب القرآني الفخم.

 

أسباب وضع علم النحو

أشرقت شمس الإسلام على جزيرة العرب، فدخل العرب والأعاجم في دين الله أفواجا، واختلطت الأعراق والأجناس، فأدرك الغيورون على اللغة العربيّة أن خطراً ما يهدّد اللغة العربيّة، فهناك عدّة أسباب أدّت إلى وضع علم النّحو.

 

أوّل هذه الأسباب، الوازع الدينيّ، لقد كان العرب شديدي الحرص على أداء نصوص الذّكر الحكيم أداءً فصيحاً سليماً إلى أبعد حدود السّلامة والفصاحة، ولاسيّما بعد انتشار اللحن على ألسنة العامة، وقد ظهرت أولى صور اللحن في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، عندما سمع رجلا يلحن فقال ( أرشدوا أخاكم فقد ضلّ ) فقد شبّه اللحن بالضّلال،  وقد مرّ سيّدنا عمر بأولاد يسيئون الرّمي فأنّبهم فقالوا: (إنّا قومٌ متعلمين) فأعرض عنهم مغضباً، وقال: (واللهِ إنّ خطأكم في لسانكم أشدّ عليّ من خطئكم في رميكم)

 

وقد مرّ سيّدنا عمر برجلين يتسابقان في الرّمي، فقال أحدهما للآخر (أسبتَ) بدلا من (أصبت) فقال لهما سيّدنا عمر: (سوء اللحن أشدّ من سوء الرّمي)

 

وقد رُويَ عن الجاحظ بأنّ أوّل لحنٍ سُمع في البادية قول أحدهم:  (هذه عصاتي) بدلا من  (هذه عصاي)

 

أمّا السّبب الثاني لوضع علم النحو يعود إلى اعتزاز العرب بلغتهم اعتزازا شديدا، اعتزازاً جعلهم يخشون عليها من الفساد حين امتزجوا بالأعاجم؛ الأمر الذي جعلهم يحرصون على رسم أوضاعها الصّحيحة خوفا عليها من الذّوبان في اللغات الأجنبيّة من روميّة وفارسيّة.

 

أمّا السّبب الثالث الذي جعل العرب يسعون لوضع علم النحو فهو سبب اجتماعيّ، فالشعوب غير العربيّة التي اعتنقت الإسلام بحاجة إلى تعلّم العربيّة من أجل نطقها بشكل صحيح، ومن أجل أن يتعلّموا أمور دينهم.. وكذلك من أجل تسلّم مناصب ووظائف في الدّولة الجديدة النّاشئة.

 

كلّ هذه الأسباب وغيرها دعت الحريصين على اللغة العربيّة إلى وضع أسس ومبادئ نحو اللغة العربيّة، ويبقى السّؤال الأهم، من كان صاحب المبادرة في وضع اللبنات الأولى في هذا العلم؟

 

أساليب البحث العلمي: تحسين التعليم من خلال التفكير العلمي

 

من وضع علم النحو

يُجمع الدّارسون على أنّه وُضِعَت أسس علم النّحو في صدر الإسلام  في العراق، وفي البصرة تحديداً؛ ذلك لأنّ العرب النّازحين كانوا من العرب الفصحاء الخلّص، فعندما أنشأت البصرة سكنتها قبيلة تميم وغيرها من قبائل العرب الأقحاح، ولوقوع البصرة على أطراف البادية؛ الأمر الذي سهّل عليهم الاتصال بالأعراب الفصحاء، ووجودها بالقرب من سوق المربد الشّعريّ، وعلم النّحو عربيّ خالص، ولا توجد تلك الميّزة في أيّة لغة في العالم .

 

لقد أجمع جمهور العلماء على نسبة علم النّحو لأبي الأسود الدؤليّ، و إن اختلفت الرّوايات في تحديد الانطلاقة الأولى، ويروى عن أبي الأسود الدّؤلي قوله: (دخلتُ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فوجدتُ في يده رقعة فقلت ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنّي تأمّلتُ كلام العرب؛ فوجدتُه قد فسد بمخالطة هذه الحمراء – يعني الأعاجم – فأردت أن أضع شيئا يرجعون إليه ويعتمدون عليه، ثمّ ألقى إليّ الرّقعة، وقد كُتب فيها: الكلام كّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن مسمّى، والفعل ما أنبئَ به، والحرف ما أفاد معنى، ثم قال لي انحُ هذا النحوَ، وأضف إليه ما وقع إليك.

 

أمّا من ينسبون وضع علم  النّحو إلى أبي الأسود نفسه فقال بعضهم أنّه سمع قارئاً يقرأ الآية الكريمة ( أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسوله) بكسر لام رسوله، فقال ما ظننتُ أمر النّاس يصل إلى هذا، واستأذن  زياداً بن أبيه والي البصرة في أن يضع للنّاس قواعد العربيّة.

 

وثمّة رواية أخرى للسبب الذي جعل أبا الأسود الدؤليّ يشرع في وضع أسس علم النّحو؛ وذلك عندما سمع ابنته تقول له: ما أحسنُ السّماء، فأجابها  قائلا: نجومُها، فقالت لهُ: يا أبتِ إنّني أتعجّب، ولا أستفهمُ، فقال لها: قولي ما أحسنَ السّماء! (بفتح نون أحسن)

 

 

السبب الأقوى لوضع علم النّحو

إذن نستنتج ممّا سبق أنّ من أهمّ الأسباب التي دعت العرب إلى وضع أسس علم النّحو رؤيتهم اللحن ينتشر على ألسنة العامّة، وقد استقبح العرب اللحن؛ لأنّهم لم يألفوه فها هو عبد الملك بن مروان الخليفة الأمويّ المعروف قيلَ له يوماً: أسرع إليك الشّيب، فقال: شيّبني ارتقاء المنابر ومخافة اللحنِ.

 

إذن فكل ناطق بالعربيّة مدينٌ لعلماء البصرة الأفذاذ الذين بذلوا جهودا مضنية، في وضع قواعد اللغة وتشذيب مفرداتها. وهذا ما سنتناوله في المقالات القادمة بعونه تعالى.

 

الكاتب: أ. عبد المنعم العبدو مدرس اللغة العربية في مبادرة مسارات

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك المحتوى عبر:

محتوى المقال