مبادرة مسارات

علم النفس

فهم نمو الطفل والمراهق: دور علم النفس والمؤثرات الاجتماعية في التطور البشري

محتوى المقال

لعل أكثر العلوم الإنسانية التي تفيدنا في فهم الطفل هي علم النفس، ويعد علم نفس النمو من أكثر الفروع ارتباطاً بفهم الطفل، حيث يهتم بدراسة المبادئ والقوانين والنظريات المتصلة بالنمو الإنساني كما يهتم في كل مرحلة من مراحل النمو بمظاهر النمو المختلفة ويهتم بالمطالب والحاجات والمشكلات التي تواجه الفرد في كل مرحلة حتى يتسنى لنا أن نفهم الإنسان وفقاً لمعايير النمو في كل مرحلة ووفقاً لتوقعات المجتمع، والهدف النهائي لدارسة النمو الإنساني هو تكوين شخصية نامية متطورة بصورة متكاملة، وهذا الهدف لا تقوم به الأسرة بمفردها ولكن تقوم به كل مؤسسات المجتمع (الحضانة، المدرسة، الأقران، وسائل الإعلام، دور العبادة … إلخ.)

 

وسوف نعرض فيما يلي النمو الإنساني مع التركيز على مرحلتي الطفولة والمراهقة من أجل فهم طبيعة النمو في هاتين المرحلتين.

 

تعريف النمو

يمكن تعريف النمو الإنساني على أنه سلسلة التغيرات التي تحدث للكائن الحي منذ لحظة الحمل وحتى الشيخوخة أو الوفاة وذلك في الجوانب الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية واللغوية والخلقية. 

 

ويتضح مما يتضمنه التعريف السابق أن النمو:

سلسلة متصلة تبدأ منذ لحظة الحمل ثم الطفولة والمراهقة والشباب والرشد والشيخوخة. 

يشمل الجوانب الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية واللغوية وهذه الجوانب متفاعلة مع بعضها البعض.

 

مبادئ عامة للنمو

النمو يسير من العام إلى الخاص: بمعنى أن الوليد يستجيب للمواقف عامة بطريقة كلية ثم تصبح الاستجابات أكثر تنوعاً وتخصصاً، فالطفل يحاول أن يحرك جسمه كله ليلتقط شيء أمامه ثم يتعلم بعد ذلك كيف يحرك يديه فقط، ويكون مشي الطفل في البداية حركة غير منتظمة لكل أجزاء جسمه، وبعدها تأخذ شكلاً منسقاً لليدين والرجلين، وحينما يريد الطفل أن يلتفت إلى مصدر صوت ما فإنه يحاول الالتفات بكل جسمه، ثم تتعدل حركته ويتعلم كيف يدير رأسه ورقبته فقط دون بقية جسمه.

 

 النمو تغير مستمر: يقوم على التفاعل بين كائن عضوي بيولوجي ورث كثيراً من الاستعدادات وما يتعرض له من مؤثرات بيئية مادية ونفسية واجتماعية، ولا يتوقف النمو عند مرحلة الطفولة بل مع امتداد الزمن ينتقل من مرحلة إلى أخرى، مكتسباً كل ما يؤهله للنضج لهذه المرحلة.

 

توجد فروق فردية بين الأفراد في معدلات النمو الجسمي والعقلي والاجتماعي والانفعالي، بل توجد فروق داخل الفرد الواحد فربما سرعة النمو الجسمي لا تساير النمو العقلي أو الاجتماعي أو الانفعالي والمسايرة في النمو بين الأقران نسبية. 

 

تميل جوانب النمو المختلفة إلى الارتباط ببعضها، فمن ينخفض ذكاؤه يتأخر في المشي والكلام، ويلاحظ أن الطفل الذكي كثيراً ما يكون متقدماً في النمو الاجتماعي والانفعالي.

 

تختلف سرعة النمو من مرحلة إلى أخرى، إذ يكون النمو الجسمي سريعاً في المرحلة الجنينية والطفولة المبكرة والمراهقة، بينما بطيئاً في الطفولة المتأخرة وفي الرشد.

 

من العوامل المؤثرة في النمو

الأسرة

إذا كانت العلاقات بين الطفل ووالديه تتسم بالحب، والقبول والثقة والاحترام فهذا يجعل الطفل يتقبل ذاته ويتقبل الآخرين ويثق فيهم، في حين نجد أن العلاقات التي تسودها الحماية الزائدة والإهمال أو التسلط أو السيطرة أو التهاون أو الرفض تؤدى إلى زيادة اعتمادية الطفل، وشعوره بعدم الثقة والعجز والنقص، كذلك فإن العلاقات الطيبة مع الأخوة والخالية من تفضيل طفل على طفل، والخالية من التنافس فإنها تؤدي إلى النمو النفسي السليم للطفل. 

 

الغذاء

يؤدي الغذاء دوراً مهماً في النمو حيث إنه يساعد في إعطاء الجسم الطاقة اللازمة له كما يساعد في بناء خلايا الجسم وتعويض التالف منها، بالإضافة إلى أنه يسهم في وقاية الفرد من الأمراض الناتجة عن النقص الغذائي، ويجب أن يتناسب الغذاء مع طبيعة المرحلة التي يمر بها الفرد، وفي كل الحالات يفضل أن يتناول الفرد وجبات غذائية تحتوي على كل العناصر المطلوبة للنمو.

 

رياض الأطفال ودور الحضانة

تعد الروضة المعبر الذي ييسر انتقال الطفل من البيت إلى المدرسة، كما أنها البوتقة التي تنصهر فيها فروق التنشئة الاجتماعية الخاصة لتتحول إلى تنشئة اجتماعية عامة، لذلك فهي سلطة مؤثرة في تشكيل نمط التطور البشري، كما تعد خبرة الذهاب إلى الروضة من أهم التغيرات الاجتماعية التي  يواجهها الطفل في سبيل تحقيق نضجه الاجتماعي، فالروضة تسهم في اتساع عالم الطفل الاجتماعي الذي يزيد صلته بأشخاص يختلفون في مقدار رعايتهم له، بعد أن كانت علاقاته الانفعالية والاجتماعية محصورة في دائرة أبوية، وعلى نحو معين من الاهتمام والتعلق.  

 

المدرسة

هي تلك المنظمة الرسمية التي كفلها المجتمع بحكم تطور الحياة وتعقدها، وأوكل إليها مهمة تربية النشء وتعليمهم بشكل ثقافي مقصود، وفقاً لنظم معينة، ومن خلال نقل الثقافة، واكتسابهم أنماط السلوك والتفكير، وتكوين العادات والاتجاهات الاجتماعية والقيم المنشودة، وتدريبهم على الطرق والأساليب التي تساعدهم في تنمية استعداداتهم ومهاراتهم واستثمار طاقاتهم المختلفة إلى أقصى ما يمكنها الوصول إليه، وتعد المدرسة حلقة وسطى بين الأسرة بنطاقها الضيق والحياة الاجتماعية بنطاقها الواسع الممتد، فهي تستقبل الطفل صغيراً في طور النمو، لتؤهله ناضجاً لمواجهة الحياة بمواقفها المعقدة ومشكلاتها المتعددة، وممارسة دوره الاجتماعي والمهني.

 

جماعة الرفـاق

هي الجماعة التي تتكون من مجموعة من الأفراد المتقاربين في السن أو المستوى الدراسي أو في السكن أو الميول والاتجاهات وغيرها، ويربط بينهم مجموعة من الروابط العاطفية والاجتماعية، وهذه الجماعة بنظامها وتقاليدها تمثل أحد الأطر المرجعية للطفل، وتتضح أهمية جماعة الرفاق في التوافق النفسي والاجتماعي في كل مراحل الحياة بصفة عامة، وفي الطفولة بصفة خاصة، لما تمثله من مصدر للصحبة والنصيحة والترفيه والمساعدة عند الأزمات، كما أن شعور الطفل

 

بأنه مرفوض من جماعة الرفاق يترتب عليه الشعور بالوحدة النفسية وازدياد مشاعر الاكتئاب وانخفاض قيمة الذات.

  

وسائل الإعـلام

تعد وسائل الإعلام امتداداً لدور الأسرة في التنشئة، وتزداد أهمية وسائل الإعلام في ظل الثورة التي أصبحت تعرف الآن باسم ثورة المعلومات ليس من حيث تنوع أساليب الاتصال ويسر استخدامها فحسب، ولكن من حيث الكم الهائل من المعلومات التي تقدمها بالإضافة إلى التناقض والتضارب في اتجاهات هذه المعلومات، وما تتبناه من قيم إيجابية أو سلبية أو أيديولوجية متعارضة بل ومتناقضة أحياناً، ومن المعلوم أن بناء القيم وتكوين الاتجاهات لم يعد مقصوراً على ما تبثه الجماعة أو الجماعات الصغيرة التي  ينتمي إليها الفرد، ولكن الأمر يزيد عن ذلك الآن بحيث أصبح لأساليب الاتصال وما تحمله من معلومات تأثير أكثر وضوحاً في الأطفال والمراهقين الذين ما زالوا في طور التكوين والتنشئة وتحديد الهوية.  

 

الإنترنت والكمبيوتر

إذا كان العصر الراهن هو عصر الثورة العلمية التكنولوجية وعصر المعلومات والانفجار المعرفي، ودخول الحاسبات الآلية إلى كل مجالات النشاط في السياسة والاقتصاد والإعلام والخدمات، فإن تعلم الطفل والمراهق وتنشئتهما قد تأثرت كثيراً بهذه الثورة المعلوماتية، إلا أن هناك بعض المخاطر وتتطلب تقنين استخدامه بالنسبة للأطفال، ومن هذه المخاطر:

 

أ- صعوبة التحقق من مدى صحة ودقة المعلومات الموجودة على شبكة الإنترنت. 

ب – الدخول إلى غرف الاتصال حيث يتبادلون الحديث مع أشخاص غرباء لا يعرفونهم، ويجب تحذير الأبناء من إفشاء أسرارهم الشخصية أو مقابلة هؤلاء الأشخاص خارج المنزل.

جـ – استهلاك ساعات طويلة من الوقت مما يقلل من تفاعلهم الاجتماعي ويؤثر على نموهم النفسي خاصة إذا وصل الأمر إلى إدمان الإنترنت.

د – عندما يقل التواصل الاجتماعي مع الآخرين يصبح الطفل أكثر عرضة للشعور بالوحدة النفسية والاكتئاب.

 

نستنتج مما سبق أن عملية النمو الإنساني معقدة وطويلة المراحل وحساسة وتتطلب وعياً من جميع الدوائر المحيطة بالطفل تبدأ من الأسرة والأقران والمجتمع عموماً حتى نصل إلى شخصية متزنة واعية دينياً وأخلاقياً واجتماعياً بعيداً عن الاضطرابات النفسية والانحراف والفشل.  تابعونا المقال القادم سنتكلم عن تكوين الاتجاهات أهميتها ووظائفها وكيفية تغيير الاتجاهات للشخصية ضمن سلسلة مقالات حول الشخصية.

 

الكاتب: خالد المؤيد مدرس مادة الفلسفة في مبادرة مسارات

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك المحتوى عبر:

محتوى المقال